
لكل انسان في هذا الكون أهدافًا يسعى إلى بلوغها وتحقيقها والوصول إليها.. ليصل بذلك إلى الحلم الذي سعى إليه .. ومن طبيعة هذا الكون أنه لا نتيجة بلا عمل.. ولا انجاز بلا إرادة.. ولا جواب بلا سبب.. ومن الأسباب التي تجعل الإنسان متميزًا في شتى مجالات الحياة هو أن يتخذ له قدوة وأسوة في حياته .. وينهل من فكر وعلم ومبادئ هذه القدوة في شتى المعارف والحكم المتنوعة .. لكن : من هم القدوة ؟ ما حاجة الإنسان إلى القدوة؟ وبمن يقتدي الإنسان ؟
في طبيعة البشرية أن الإنسان المكافح في معارك الحياة يبحث عن التميز وهذا التميز لا يأتي إلا بالاختيار الدقيق والصحيح للأطروحات والأفكار التي يتخذها منهجًا له في الحياة والاختيار الصحيح للقدوة .. ولا يمكن للإنسان أن يتخذ من شخص قريب له أو قرين له في العمر قدوة لأن هذه القدوة لا تقود الإنسان إلى الكمال، لأن في الأساس أغلب البشرية من جنسنا تفتقد إلى الكمال الذاتي، لأنه مهما بلغت رفعة وشأن الإنسان يبقى فقيرًا في العلم والمعرفة والمبادئ والقيم أمام الإنسان الكامل المعصوم المنزل والموصى به من السماء .. لكن إذا أتخذ الإنسان قدوة كفاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله وزوجة أمير المؤمنين وأم السبطين فأنه يحقق الكمال الذاتي في الاختيار الصحيح للقدوة في هذه الحياة.
تعتبر فاطمة الزهراء الملقبة بأم أبيها مثال للمرأة الصالحة التي جسدت معاني عظيمة وخلدت أسمها بأحرف من ذهب في التاريخ الإسلامي الأصيل.. وفاطمة الزهراء ليس مجرد تاريخ نستذكره في كل ذكرى تمر علينا سنويا، أنما هي مثال نقتدي به في كل مراحل حياتنا لما جسدته هذه المرأة العظيمة من مبادئ وأفكار لا يعملها إلا المعصومون المنزل بهم من السماء.. فلقد مثلت فاطمة أربع أدوار رئيسية هامة سوف نتحدث عنها في مجمع حديثنا البسيط لهذه الشخصية العظيمة:
فاطمة وأبيها:
لم تكن السيدة الزهراء عليها السلام مجرد أبنة لرسول الله "ص"، أنما كانت له الأم الرحيمة فسميت بأم أبيها .ولو نستخلص الحكمة من هذه التسمية لعرفنا أن معنى الأم هي التي تجمع الحنان في أحشائها وتجمع الأمة بأجمعها داخل قلبها الرحيم، وهي التي تقدم الغالي والرخيص من أجله، وهي الودودة التي تراها في وقت الشدائد .. أما معنى كلمة الوالدة فهي التي ولدت الابن وحملته في بطنها وتعبت الليالي من أجل أن يخرج إلى هذا النور، وليس كل من ولدت تستحق أن تكون أم لأن الأمومة صفة رحيمة ورائعة. فلقد جسدت السيدة الزهراء معنى الأمومة حينما كانت تخفف عنه الأذى حينما كان يؤذى بقسوة في بداية الدعوة إلى الإسلام، فكانت تنفض الغبار عن جبينه الطاهر، وكانت تمثل معنى الاحترام لأبيها حيث ورد في الروايات المتواترة أنها كانت تخجل من أبيها ولا ترفع عينها أمامه احترمًا وتبجيلا لمقام رسول الله .
لو نظرنا إلى واقعنا الحالي وطبيعة العلاقة بين البنت وأبيها سوف نرى الكثير من الفراغ العاطفي في التعاطي فيما بينهم.. سواء من ناحية الأب مع البنت، أو حتى في تعاطي البنت مع الأب ،حيث نشاهد فجوة كبيرة في العلاقة بينهم سواء على مستوى الحنان أو حتى على مستوى العلاقة والقرب العاطفي بين الطرفين، وللأسف نرى غياب الحوار وتبادل الأفكار بين الطرفين، والذي نراه هو إصرار طرف على فكرة ضد طرف أخر .. أو معاندة طرف إلى الطرف الأكبر ومحامله إلى كسر كلمته والخروج عليها .. فأين نحن من علاقة فاطمة بمحمد ومن علاقة الوالد بفتاته في هذا الزمان.
فاطمة وعلي :
لولا وجود علي لا وجد كفؤ لفاطمة .. ولولاكِ يا فاطمة لما تمثلت لنا معنى الزوجة الصالحة التي تحافظ على زوجها، وتستطيع أن تمثل أروع وأسمى صفات الصبر في المصاعب .. حيث لم يكن الإمام علي صاحب ملك ولم يكن أبي طالب صاحب جاه ليرثه علي عليه السلام بمال أو جاه، لكن كان علي صاحب موقف وعاشت معه فاطمة في أقسى الظروف، لم تكن فاطمة تشكي يومًا من حالها.. رغم الصعاب ورغم أن الزاد لم يدخل بيتها لـ أكثر من ثلاثة أيام كما جاء في بعض الروايات.. رغم أنها بنت رسول الله "ص" قائد الأمة الإسلامية ، إلا أنها أبت أن تطلب من أبيها قوت يومها ومثلت بذالك صفات الصبر والتضحية في سبيل زوجها.. لقد عاشت الزهراء مع علي في جو الإيمان .. لقد سطر علي وفاطمة أسمى وأروع النماذج الزوجية فلم يرى في التاريخ الإسلامي زوجة أعظم من فاطمة.. يا فتاة الإسلام ؟ أينكِ من بنت رسول الله ؟ لقد تزوجت فاطمة بمهر مقداره قرآن ولم تكن تطلب نفسها بمال من حطام هذه الدنيا.. أنما طلبت زوجًا يحفظها كعلي .. فلماذا نتصارع اليوم في هذا الزمان على زخارف ومميزات الزواج والصالات وأكبر المهور؟ .. هل أصبحت قيمة البنت في مهرها ؟ أم أن قيمة البنت في الزوج الصالح الذي يحفظها ؟ لم يطلب رسول الله من علي مالا، أنما عرف علي الحق وعلي الإيمان.. ما هي المنطلقات التي من خلالها نزوج بناتنا ؟ هل هو الإيمان أم هو المظهر الخارجي من المال والجمال؟
إذا كانت فتاة الإسلام تريد الراحة الزوجية فعليها أن تقتدي من بيت فاطمة.
فاطمة وأبنائها:
ما أروع أن يكون هناك طفلا من رحم فاطمة.. وما أجمل أن يكون والد هذا الطفل عليًا.. وما أحلى حينما نرى الحسن والحسين يخرجا من صلب فاطمة لتتجسد معنى الأمومة في فاطمة .. لقد كانت فاطمة " أم أبيها " ولقد كانت فاطمة أم الحسن والحسين .. كانت فاطمة تعاملهم بالرحمة واللين، وتعلمهم مبادئ القرآن وحكم الإسلام، .. فاطمة لم تكن مجرد أم أنما كانت المربية التي نسجت سيدان من سادة شباب الجنة.. لقد كانت كما تروي الروايات يأتي الحسن إليها ويخبرها ماذا قال جده رسول الله في المسجد.. ثم يأتي علي ليحدثها إلا أنها تخبره بعلمها بما دار لان الحسن أخبرها وهذا نموذج صالح في الأمة يجب أن نقتدي به . كم من الأمهات في هذا الوقت يسألون أبنائهم أو يحثون أبنائهم على الحضور إلى المسجد أو صلاة الجماعة ؟ وكم من الأمهات اللاتي يناقشن ويعلمن أبنائهن أصول القرآن وتعاليم الدين ؟ لماذا تصبح الزهراء مجرد قدوة نظرية للأمهات وهن بعيدات كل البعد عن الاقتداء بأفعال الزهراء في التعاطي مع أبنائها ؟ لماذا أبنائنا بعيدون عن أمهاتهم عكس الحسن والحسين القريبان من الزهراء، واللذين يخبرانها بما يحدث ؟ لماذا لا نجعل من أولادنا مثال للابن الصالح .. أليس أجدر بنا أن نعلم أبنائنا تعاليم أهل البيت.. أذا كانت الزهراء هي القدوة لكن أيتها الأمهات فجدير بكن أن تقتدوا بها في تعاملكم مع أبنائكم من أجل بناء جيل صالح ينشر الإسلام في كل بقاع الأرض.
فاطمة وموقفها السياسي:
بعد أن جار الزمان بعد رحيل رسول الله "ص"، وبعد أن أقصي عليًا من الخلافة.. لم تكن فاطمة الزهراء لتسكت عن حق علي .. فقد نطقت بكلمة الحق في وجه سلطان جائر .. وخطبت خطبتها الشهيرة داعية إلى أن تعود الخلافة إلى علي، وقادت هي وثلة مؤمنة من النساء المسيرة في المدينة مطالبة بهذا الحق، ولم تهاب أو تخاف جور السلطان لأنها والحق يسيران.. لقد مثلت فاطمة نموذج للمرأة التي تقود العمل السياسي بعفتها وشرفها وقوتها، فلم تتنازل عن حق بعلها ولم تهاب السلطان رغم أنها ضربت وسلب حقها، إلا أنها آثرت إلا أن يصل صوتها للخليفة أنها تطالب بحق علي في الخلافة.. لقد جسدت فاطمة معنى المرأة في العمل السياسي الذي نفتقده في هذا الزمان.. فلم تتخلى فاطمة عن عفتها في سبيل موقفها السياسي أنما واصلت مشوارها من خلال موقفها العفيف الشريف لترسل برسالة للأجيال أن المد الفاطمي يجب أن لا ينقطع وان تواصل المرأة من خلال موقعها الموقف السياسي والاجتماعي، والنطق بالحق و الجهر به .. وهذا ما تمثل في موقف السيدة زينب في كربلاء حينما قادت الهاشميات ونطقت بكلمة الحق في قصر أبن زياد في الكوفة .. فأينكن يا فتيات الإسلام من فاطمة وموقفها السياسي والاجتماعي .. فلم تتنازل فاطمة عن عفتها وهي في موقع الجهاد بينما نرى العجب من تنازل عن العفة في هذا الزمان.. فاطمة وزينب في أقسى مواقع الحياة ضرب لنا بهن المثل في الحفاظ على الدين، بينما نحن نبيع الدين بثمن بخس من أجل شي من حطام الدنيا .
كل انسان بطبيعته يسعى للكمال باتباعه لقدوة معينة يرع فيها كل صفات الكمال والعظمة، لكن هناك من يخطأ في الاختيار، وهناك من يختار القدوة الحسنة لكنه يتبعها بالقول فقط. وكما ذكرت أخي فإن أعظم قدوة للبشرية " وخصوصًا النساء" هي السيدة الزهراء سلام الله عليها. قد نقول أنه من الصعب بل من المستحيل الوصول للمنزلة التي وصلتها الزهراء عليها السلام، لكنه من الممكن ان ننهل من علمها وأخلاقها ما يمكننا من التحرر من قيود الدنيا، والعمل من أجل الآخرة. لكن للأسف نرى من هن من المفترض أن يكن بنات فاطمة، ويسعدنها باتباعهن لخطاها، قد تفرقوا عن طريها وأصبحت قدوتهن بالقول لا بالفعل" طبعًا ليس الكل" . ومن اهم النقاط التي ذكرتها في السيدة الزهراء، هي تواضع مهرها بالرغم من انها سيدة النساء من الأولين والاخرين، فأين فتيات اليوم من فاطمة؟ ونقطة أخرى ، حجاب فاطمة، أين الحجاب الفاطمي اليوم؟ سؤال موجه للفتيات وخاصة أولئك اللاتي يقصدن المآتم.
ردحذفسلمت اناملك سيد على هذا الطرح الموفق
بانتظار الجديد
السلام عليك ياسيدتي
ردحذفتسلم
ولو تكتب بعد عن العقائد واجد زين
وكثر من مواضيع السيرة بعد